← 返回首页目录
# حكم الخروج على الحاكم الكافر: دراسة في ضوء الكتاب والسنة وأقوال العلماء
## مقدمة
تعد قضية الخروج على الحاكم من أخطر القضايا التي تمس استقرار المجتمعات الإسلامية، وقد تناولها الفقهاء والعلماء عبر العصور بالبحث والتحليل، مستندين إلى نصوص الكتاب والسنة النبوية الشريفة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في عصرنا الحاضر الذي تكثر فيه التحديات والفتن، مما يستلزم بيان الحكم الشرعي بدقة ووضوح، مع مراعاة المصالح والمفاسد المترتبة على هذا الأمر الخطير.
## الأدلة من القرآن الكريم
لقد جاء القرآن الكريم في عدة آيات كريمة ليبين الأساس الذي تقوم عليه العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الإسلام. ففي سورة النساء، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: 59].
هذه الآية الكريمة تضع الأساس المتين لوجوب طاعة أولي الأمر، وقد فسر العلماء المراد بأولي الأمر بأنهم ولاة الأمور من الحكام والأمراء، وأن طاعتهم واجبة في المعروف ما لم يأمروا بمعصية الله تعالى. كما أن الآية ترشدنا إلى منهج التعامل عند التنازع والاختلاف، وهو الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما دلت عليه نصوصهما من أحكام وضوابط.
## الأدلة من السنة النبوية الشريفة
لقد وردت في السنة النبوية الشريفة أحاديث كثيرة تبين ضوابط العلاقة مع الحاكم، وتوضح حكم الخروج عليه، ومن أبرز هذه الأحاديث:
### وجوب طاعة الأمير وربطها بطاعة الرسول
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أطاع الأمير؛ فقد أطاعني، ومن عصى الأمير؛ فقد عصاني". هذا الحديث يربط طاعة الأمير بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن أطاع أميره فقد أطاع رسول الله، ومن عصاه فقد عصاه، وهذا يدل على أهمية طاعة ولاة الأمور في ما شرع الله تعالى.
### الإنكار بالقلب وعدم نزع اليد من الطاعة
جاء في السنة النبوية الشريفة حديث آخر يوضح منهج التعامل مع الحاكم الذي يأتي معصية، حيث قال صلى الله عليه وسلم: "ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة". وفي هذا الحديث إشارة واضحة إلى أن رؤية الحاكم يرتكب المعصية لا تبرر الخروج عليه أو نزع اليد من الطاعة، بل الواجب كراهة المعصية مع الاستمرار في الطاعة الواجبة.
### عقوبة الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة
روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية". وهذا تحذير شديد من عاقبة الخروج عن طاعة ولي الأمر ومفارقة جماعة المسلمين، حيث يكون مصير من فعل ذلك موتاً بموتة جاهلية، أي أنه يموت على غير ما كان عليه أهل السنة والجماعة.
### السمع والطاعة في المنشط والمكره
جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". ولما سأل الصحابة رضي الله عنهم – لما ذكر أنه يكون أمراء تعرفون منهم وتنكرون – فقالوا: فما تأمرنا؟ قال: "أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم". وفي هذا الحديث تفصيل مهم يبين أن طاعة الحاكم واجبة مطلقاً في غير معصية الله، فإذا أمر بمعصية فلا طاعة له في تلك المعصية تحديداً، مع بقاء سائر الطاعات واجبة.
### البيعة على عدم منازعة الأمر أهله
ذكر عبادة بن الصامت رضي الله عنه ما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، وقال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان". وهذا الحديث يعد من أهم النصوص في هذا الباب، إذ يحدد الضابط الوحيد الذي يجوز معه الخروج، وهو رؤية كفر بواح، أي كفر واضح وجلي، يكون عند المسلمين عليه برهان من كتاب الله وسنة رسوله.
## فتوى الشيخ ابن عثيمين في الخروج على الحاكم الكافر
لقد تناول العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله هذه القضية الخطيرة ببيان شافٍ وواضح، حيث قال في اللقاء المفتوح (129/5):
"وإذا فرضنا - على التقدير البعيد - أن ولي الأمر كافر، فهل يعني ذلك أن توغر صدور الناس عليه حتى يحصل التمرد، والفوضى، والقتال؟! لا، هذا غلط، ولا شك في ذلك، فالمصلحة التي يريدها هذا لا يمكن أن تحصل بهذا الطريق، بل يحصل بذلك مفاسد عظيمة".
ويستمر الشيخ في بيان خطورة هذا المسلك بالقول: "لأنه - مثلاً - إذا قام طائفةٌ من الناس على ولي الأمر في البلاد، وعند ولي الأمر من القوة والسلطة ما ليس عند هؤلاء، ما الذي يكون؟ هل تغلب هذه الفئةُ القليلة؟ لا تغلب، بل بالعكس، يحصل الشر والفوضى والفساد، ولا تستقيم الأمور".
ويؤكد الشيخ ابن عثيمين على ضرورة النظر بعين الشرع والعقل والحكمة معاً، فيقول: "الإنسان يجب أن ينظر: أولاً: بعين الشرع، ولا ينظر أيضاً إلى الشرع بعين عوراء؛ إلى النصوص من جهة دون الجهة الأخرى، بل يجمع بين النصوص. ثانياً: ينظر أيضاً بعين العقل والحكمة، ما الذي يترتب على هذا الشيء؟"
وخلاصة قوله: "لذلك نحن نرى أن مثل هذا المسلك مسلك خاطئ جداً وخطير، ولا يجوز للإنسان أن يؤيد من سلكه، بل يرفض هذا رفضاً باتاً، ونحن لا نتكلم على حكومة بعينها؛ لكن نتكلم على سبيل العموم".
## شروط جواز الخروج على الحاكم الكافر
استناداً إلى النصوص الشرعية وكلام أهل العلم، يمكن تحديد شروط جواز الخروج على الحاكم الذي جاء منه كفر بواح، وهي:
### أولاً: وجود قوة واستطاعة وقدرة على إزالة الحاكم
لا يجوز الخروج على الحاكم إلا إذا كان لدى المسلمين القوة والاستطاعة الفعلية لإزالته وتولية حاكم مسلم صالح مكانه، دون أن يترتب على ذلك فساد كبير يصيب المسلمين بالضرر أو الهلاك. فإن لم تتوفر هذه القدرة والاستطاعة، وجب الصبر وعدم الخروج، لأن قتال الظلمة الكفرة مع عدم القدرة يعود على المسلمين بالضرر والإبادة.
### ثانياً: أن يكون الكفر بواحاً وثابتاً ببرهان واضح
يجب أن يكون الكفر الصادر من الحاكم كفراً بواحاً جلياً واضحاً، بحيث يثبت ببرهان قاطع من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يكون ذلك بالظنون والتخرصات والتأويلات الضعيفة.
### ثالثاً: ألا يترتب على الخروج فساد أكبر
من الشروط الأساسية لجواز الخروج ألا يترتب عليه فساد كبير، كأن يؤدي إلى اختلال الأمن، وضياع الحقوق، وإيذاء الأبرياء، وسفك الدماء بغير حق، وحدوث فتنة أعظم من الفتنة القائمة. فإذا كان الخروج سيؤدي إلى هذه المفاسد، فإنه لا يجوز قطعاً، بل يمنع منعاً باتاً.
## الدليل العملي من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم
ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً عملياً في الصبر على الحاكم الكافر وعدم الخروج عليه، حيث عاش في مكة المكرمة ثلاث عشرة سنة بعد البعثة النبوية، وكانت الولاية في ذلك الوقت في أيدي الكفار. ومع ما لاقاه هو وأصحابه من الأذى والتعذيب والاضطهاد، إلا أنهم لم يقاتلوا الكفار ولم يخرجوا عليهم، بل كانوا منهيين عن قتالهم، ولم يؤمروا بالقتال إلا بعد الهجرة إلى المدينة، عندما صار للإسلام دولة وجماعة يمكن بها قتال الأعداء.
وهذا المثال النبوي يدل دلالة واضحة على أنه لا يجوز قتال ولاة الأمور والخروج عليهم بمجرد كفرهم، ما لم تتوفر القدرة والاستطاعة والتنظيم، وما لم يكن هناك جماعة مسلمة قادرة على ذلك.
## الحكم النهائي في مسألة الخروج على الحاكم الكافر
يتلخص الحكم الشرعي في هذه المسألة في تفصيل مهم:
### حالة الجواز
إذا كانت طائفة المسلمين التي تريد إزالة الحاكم الذي أتى كفراً بواحاً تملك قدرة كاملة على إزالته من الحكم، بحيث تستطيع وضع إمام صالح مكانه، ولا يترتب على ذلك فساد كبير على المسلمين، ولا شر أعظم من شر هذا السلطان، ففي هذه الحالة يجوز الخروج عليه وتغييره.
### حالة المنع
أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير، واختلال الأمن، وظلم الناس، واغتيال من لا يستحق الاغتيال، وإشعال الفتن والقلاقل، فإن هذا لا يجوز بحال من الأحوال. بل الواجب في هذه الحالة هو السمع والطاعة في المعروف، مع مناصحة ولاة الأمور بالحسنى، والاجتهاد في تخفيف الشر وتقليله، وتكثير الخير والإسهام فيه، بالوسائل المشروعة المتاحة.
## الخاتمة
في ضوء ما تقدم من النصوص الشرعية والأدلة العقلية وكلام أهل العلم، يتضح أن مسألة الخروج على الحاكم من المسائل العظيمة التي يجب التأني فيها، وعدم التسرع في إصدار الأحكام، وذلك لما يترتب عليها من مصالح ومفاسد عظيمة تؤثر على حياة المسلمين وأمنهم واستقرارهم. والواجب على المسلمين أن يتحلوا بالصبر والحكمة، وأن يدركوا أن المقصد الشرعي الأعظم هو حفظ مصالح الدين والدنيا، ودرء المفاسد وتقليلها ما أمكن، وأن يقدموا المصلحة العامة على المصالح الخاصة، وأن يسعوا في الإصلاح بالطرق المشروعة لا بالأساليب التي تزيد الفساد إفساداً.
كما ينبغي التنبيه إلى أن منهج أهل السنة والجماعة يقوم على السمع والطاعة لولاة الأمر في المعروف، والإنكار عليهم بالطرق الحكيمة، والصبر على جورهم ما لم يأتوا كفراً بواحاً مشروط القدرة على التغيير دون إحداث فساد أكبر. والله تعالى أعلم وأحكم.