← 返回首页目录
# قصة التعدي على حقوق الملكية الفكرية: من "قوت القلوب" إلى استقالة وزيرة الثقافة

**بقلم:吉祥法师**

شهدت الأوساط الثقافية والسياسية في مصر حالة من التفاعل الواسع والاهتمام البالغ، بعد إقدام الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، على تقديم استقالتها إلى الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء. وجاءت هذه الخطوة المفاجئة على خلفية صدور حكم قضائي بات ونهائي من محكمة النقض يُدينها بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة والباحثة سهير عبد الحميد، فيما يتعلق بنقل محتوى وأفكار وحقائق تاريخية من كتابات وأبحاث خاصة بالشخصية التاريخية "قوت القلوب الدمرداشية".

## تفاصيل الاستقالة وموقف الحكومة

أوضحت الوزيرة في بيان رسمي صادر عن مجلس الوزراء أنها تثمن احترامها الكامل لأحكام القضاء المصري، مؤكدةً أنها تقدمت باستقالتها تجنبًا لإحراج الحكومة في قضية شخصية بحتة. وأشارت الوزيرة في بيانها إلى أنها ستمارس جميع حقوقها القانونية المتاحة أمامها في هذه القضية، ومن بينها تقديم التماس لإعادة النظر في الأحكام الصادرة، مؤكدةً في الوقت ذاته أن ذلك لا يتعارض إطلاقًا مع التزامها الكامل والكلي بأحكام القضاء واحترامه.

من جانبه، استجاب رئيس الوزراء لطلب الاستقالة وقبلها، مُثنيًا على جهود الوزيرة خلال فترة توليها المنصب، ومتمنيًا لها التوفيق فيما هو قادم من مسيرة حياتها المهنية والعلمية. وقد لاقى قبول الاستقالة ترحيبًا واسعًا من الأوساط الثقافية والحقوقية التي رأت في الخطوة احترامًا لمبدأ سيادة القانون واستقلال القضاء، خاصةً في القضايا المتعلقة بالحقوق الأدبية والفكرية.

## جذور الأزمة والبدايات الأولى

لم تكن هذه الأزمة وليدة اللحظة أو قرارًا مفاجئًا، وإنما تعود جذورها إلى نزاع أدبي وتاريخي طويل بين الدكتورة جيهان زكي، بوصفها باحثة في علم المصريات، والصحفية والباحثة سهير عبد الحميد، حيث بدأ هذا النزاع قبل تولي زكي الحقيبة الوزارية بفترة زمنية ليست بالقصيرة.

دار الصراع الأساسي حول كتاب أصدرته جيهان زكي يحمل عنوان "كوكو شانيل وقوت القلوب"، وهو الكتاب الذي اتهمته فيه الباحثة سهير عبد الحميد بنقل محتوى وحقائق تاريخية وصياغات حرفية من كتاباتها وأبحاثها الخاصة التي تناولت فيها الشخصية التاريخية الهامة "قوت القلوب الدمرداشية"، دون أن تلتزم بحدود الاقتباس العلمي المشروع، الأمر الذي جعل النقل يتجاوز مجرد الإشارة العابرة للمراجع والمصادر، وصولًا إلى حد طمس الإبداع الأصلي للمصنف الأول والاستيلاء عليه بشكل غير مشروع.

## شخصية "قوت القلوب الدمرداشية"

تُعد "قوت القلوب الدمرداشية" واحدة من الشخصيات النسائية البارزة في التاريخ المصري خلال العصر العثماني، والتي تركت بصمة واضحة في الحياة الاجتماعية والدينية في مصر. وتشير المصادر التاريخية إلى أنها كانت سيدة من أسرة الدمرداشية العريقة، وقد برزت في مجال الأعمال الخيرية والوقف الديني، وارتبط اسمها بالعديد من الأعمال الخيرية والتكاليس والمساجد التي ما زالت قائمة حتى اليوم. وقد أولت الباحثة سهير عبد الحميد اهتمامًا بالغًا بهذه الشخصية، حيث أجرت أبحاثًا معمقة في تاريخها ودورها المجتمعي، مستندةً إلى وثائق تاريخية نادرة ومصادر أصيلة، الأمر الذي جعل كتاباتها في هذا المجال مرجعًا مهمًا يُعتمد عليه في الدراسات التاريخية.

## المحطة القضائية الأولى: حكم المحكمة الاقتصادية

قامت الباحثة سهير عبد الحميد برفع دعوى قضائية أمام المحكمة الاقتصادية المصرية، وذلك بهدف إثبات الاعتداء الواقع على حقوقها الفكرية والأدبية، ومطالبة المحكمة بإنصافها وحماية حقوقها المشروعة.

وفي يوليو عام 2025، وبعد نظر الدعوى والاستماع إلى جميع الأدلة والمرافعات، أصدرت المحكمة الاقتصادية حكمها الذي شكّل صدمة قانونية مدوية في الوسط الثقافي. وجاء الحكم بناءً على تقرير مفصل وعميق أعدته لجنة ثلاثية من الخبراء المتخصصين في الملكية الفكرية، والذين أثبتوا بشكل قاطع وجود نقل حرفي مباشر من أعمال الباحثة سهير عبد الحميد، وتجاوزًا صارخًا لحدود الاقتباس العلمي المسموح، مما يُعدّ انتهاكًا واضحًا لحقوق المؤلف الأدبية والفكرية.

وقضت المحكمة الاقتصادية في حكمها بإلزام جيهان زكي بدفع تعويض مالي قدره مائة ألف جنيه مصري لصالح المدعية سهير عبد الحميد، بالإضافة إلى سحب الكتاب محل النزاع من الأسواق بشكل كامل، ومنع إتاحته للبيع أو التداول بأي وسيلة من الوسائل.

## مفاجأة فبراير 2026: الحكم الوزاري والإدانة القضائية

في تطور لافت ومفاجئ، وفي العاشر من فبراير عام 2026، جرى تعديل وزاري في الحكومة المصرية شمل تعيين الدكتورة جيهان زكي، وهي عالمة المصريات والنائبة البرلمانية السابقة ومديرة أكاديمية الفنون بروما سابقًا، في منصب وزيرة الثقافة المصرية، خلفًا للوزير السابق الدكتور أحمد فؤاد هنو.

أثار هذا التعيين عاصفة من الانتقادات الواسعة والاعتراضات العارمة داخل الوسط الثقافي وبين المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي في مصر؛ نظرًا لصدور حكم قضائي ضدها يُدينها بالسرقة الأدبية والاعتداء على حقوق الملكية الفكرية. ورغم هذه الانتقادات، فضلت الأوساط الرسمية والحكومية الانتظار لما ستسفر عنه درجات التقاضي العليا، حيث كانت الوزيرة الجديدة قد تقدّمت بطعنين أمام محكمة النقض، مطالبةً بإلغاء الحكم الصادر ضدها ووقف تنفيذه، مما خلق حالة من الترقب والانتظار الحذرين في الأوساط القانونية والثقافية حول مصير هذا الطعن ونتيجته النهائية.

## محكمة النقض: كلمة الفصل النهائية في الشق القانوني

وضعت محكمة النقض، بوصفها أعلى سلطة قضائية في البلاد، كلمة النهاية الحاسمة في الشق القانوني من هذه القضية المثيرة للجدل، حيث قامت بتأييد الحكم الصادر بالإدانة بشكل قاطع ونهائي. رفضت المحكمة الطعون المقدمة من وزيرة الثقافة، وأيدت حكم المحكمة الاقتصادية بصفة نهائية وباتة غير قابلة لأي شكل من أشكال الطعن.

وأكدت نيابة النقض في مذكرتها الاستشارية التي قدمتها إلى المحكمة على حقيقة قانونية مهمة وهي أن مجرد الإشارة إلى المصدر أو المراجع في الكتاب لا يمنح المشروعية الكافية إذا كان النقل يجور على الطابع الإبداعي للعمل الأصلي، ويتجاوز الحدود المسموح بها قانونًا وعلمًا وأخلاقيًا، ويُفقد العمل الجهد الإبداعي الأصلي، الأمر الذي يجعل هذا النقل اعتداءً واضحًا على حق المؤلف الأدبي والفكري.

## ثلاثة أحكام جوهرية من محكمة النقض

خلُصت محكمة النقض، من خلال حكمها النهائي والبات، إلى ثلاثة أحكام جوهرية شكلت أساسًا قانونيًا متينًا:
1. تأييد الإدانة الكاملة بالتهم الموجهة إلى وزيرة الثقافة
2. تأكيد أن المحكمة الاقتصادية قد أصدرت حكمًا صحيحًا ومطابقًا للقانون
3. إقرار أن التعويض المالي وسحب الكتاب هما العقوبتان المناسبتان لجسامة المخالفة

## سهير عبد الحميد: موقف مبدئي واحترام السيادة

قالت الكاتبة الصحفية والروائية سهير عبد الحميد، في أول تعليق لها بعد قبول استقالة وزيرة الثقافة، إن الهدف الأساسي الذي دفعها منذ بداية هذا النزاع الطويل كان يقتصر على حماية حقوقها الفكرية والأدبية، وليس التدخل في مسألة بقاء وزيرة الثقافة من عدمها في منصبها الحساس.

وأضافت "عبد الحميد" أنها لا ترغب في التعليق على قرار الاستقالة نفسه، مؤكدةً أن هذا القرار يخص الدولة المصرية وحدها، فهو من الأمور السيادية التي لا شأن لها بها. وأوضحت في حديثها أنها لا تعرف شيئًا عن تفاصيل القرار وأنها لم تكن تتواصل مع أي جهة رسمية بشأنه، مشددةً على المبدأ الذي قالت فيه: "لا علاقة لي بقرار الاستقالة أو الإقالة، أو بقاء الوزيرة في منصبها من عدمه، فهذا أمر سيادي يخص الدولة، ولا يخصني في شيء".

كما أوضحت الباحثة عبد الحميد، بشكل قاطع وحاسم، أن القضية منذ بدايتها لم تكن مرتبطة بأي شكل من الأشكال بمنصب جيهان زكي، وإنما تعلقت بحقوقها الفكرية والبحثية الأدبية التي كرسّت فيها جهدًا كبيرًا ووقتًا طويلاً. وقالت في هذا الصدد: "نزاعي كان مع الباحثة جيهان زكي، وليس الوزيرة جيهان زكي"، مفرقةً بشكل واضح بين الصفة الشخصية والصفة الوظيفية التي كانت تحملها المدعى عليها.

## قراءة تحليلية لأبعاد القضية وتداعياتها

تثير هذه القضية عدة قضايا هامة تتعلق بحقوق الملكية الفكرية والسرقة الأدبية في العالم العربي الإسلامي، وأهمية حماية الإبداع الفكري والبحث العلمي. كما تطرح القضية تساؤلات عميقة حول معايير اختيار المسؤولين في المناصب الحساسة، ومدى تأثير الأحكام القضائية على تولي المناصب العامة والوزارية.

القضية تشير أيضًا إلى اتساع دائرة الوعي بحقوق الملكية الفكرية في المنطقة، وصعود دور القضاء في حماية الحقوق الأدبية والفكرية. وفي هذا السياق، يجدر بالذكر أن بوصلة الأخلاقيات البحثية والمهنية في الكتابة والتأليف، ستظل معيارًا مهمًا يُقاس به مدى أصالة العمل الفكري والإبداعي في أي مجال من المجالات، وأن احترام حقوق الآخرين وسلامةالبحث العلمي هو جزء لا يتجزأ من أي تصور للإنتاج المعرفي الحضاري الرصين.